الفيض الكاشاني
5
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
وعنه عليه السّلام أنّه قال : « فسد الزّمان ، وتغيّر الإخوان ، وصار الانفراد أسكن للفؤاد » . وروي أنّ معروف الكرخيّ قال له عليه السّلام : أوصني يا ابن رسول الله فقال : « أقلل معارفك ، قال : زدني ، قال : أنكر من عرفت منهم » ( 1 ) . قال أبو حامد : « قال الفضيل : كفى باللَّه محبّا ، وبالقرآن مؤنسا ، وبالموت واعظا ، اتّخذ الله صاحبا ، ودع الناس جانبا » . وقال أبو الربيع لداود الطائي : عظني ، قال : صم عن الدّنيا واجعل فطرك الآخرة ، وفرّ من الناس فرارك من الأسد . وقيل ورد في التوراة : قنع ابن آدم فاستغنى ، اعتزل الناس فسلم ، ترك الشهوات فصار حرّا ، ترك الحسد فظهرت مروّته ، صبر قليلا فتمتّع طويلا . وقال وهيب بن الورد : بلغنا أنّ الحكمة عشرة أجزاء فتسعة منها في الصمت والعاشرة في عزلة الناس . وقال بعضهم : كنت في سفينة ومعنا شابّ من العلويّة فمكث معنا سبعا لا نسمع له كلاما ، فقلنا له : يا هذا قد جمعنا الله وإيّاك منذ سبعة ، ولا تزال تخالطنا ولا تكلَّمنا ، فأنشأ يقول : قليل الهمّ لا ولد يموت * ولا أمر يحاذر أن يفوت قضى وطر الصبا وأفاد علما * فغايته التفرّد والسكوت وقال إبراهيم النخعيّ : تفقّه ثمّ اعتزل ، وكذا قال الرّبيع بن خثيم . وقال الفضيل : إنّي لأجد للرجل عندي يدا إذا لقيته أن لا يسلَّم عليّ ، وإذا مرضت أن لا يعودني . وقال أبو سليمان الدارانيّ : بينما الرّبيع بن خثيم جالس على باب داره إذ جاءه حجر فصكّ جبهته فشجّه فجعل يمسح الدّم ويقول : لقد وعظت يا ربيع فقام ودخل داره فما جلس بعد ذلك على باب داره حتّى أخرجت جنازته . وقال بشر بن عبد الله : أقلّ من معرفة الناس ، فإنّك لا تدري ما يكون
--> ( 1 ) نقلهما ابن فهد الحلي في كتاب التحصين مرسلا كما في مستدرك الوسائل ج 2 ص 323 .